|
أصدرت وكالة الطاقة الدولية
(IEA)
مؤخراً تقريراً خاصاً في سلسلتها عن منظور الطاقة العالمية
2011
تحت عنوان هل نحن أمام عصر ذهبي للغاز؟. والتقرير يحدد معالم صناعة
الغاز الطبيعي الحالية وتوقعاتها المستقبلية.
ولا
شك في أن الغاز الطبيعي قد اجتذب مزيدا من الاهتمام في العقدين
الماضيين أكثر من ذي قبل. وقد أصبح الوقود المفضل للاختيار بسبب
المميزات البيئية مقارنة بأنواع أخرى من الوقود الأحفوري إضافة إلى
سهولة استخدامه وأسعاره التنافسية في كثير من الأحيان.
إن تحسن تكنولوجيا توربينات الغاز وارتفاع كفاءة الدورة المركبة
في توليد الكهرباء بالغاز الطبيعي جعلت منه المصدر المفضل لتحسين
الكفاءة ووصولها إلى ما يقرب من
60%
بالمقارنة بأعلى كفاءة لتوليد الكهرباء اعتمادا على الفحم والبالغة
47%
وبطبيعة
الحال فإن أولئك الذين يشعرون بقلق كبير إزاء أمن إمدادات الطاقة
فإن الغاز الطبيعي أصبح يمثل عنصر استقرار في سياساتهم ولا سيما أن
موارد الغاز الطبيعي متعددة وواسعة الانتشار في أنحاء العالم بخلاف
النفط، وأن توافرها يتعزز بتنمية وإنتاج الموارد غير التقليدية.
ولكل ما تقدم فإن وكالة الطاقة الدولية وضعت ضمن توقعاتها بعيدة
المدى سيناريو عن “عصر ذهبي للغاز” يستند إلى الافتراضات بأن تبقى
أسعار الغاز قادرة على المنافسة رغم الارتفاع ببطء وأن هناك بوادر
انخفاض في معدلات نمو الكهرباء النووية خاصة بعد كارثة فوكوشيما
وأن الصين ستنجح في طموحها للتوسع باستخدام الغاز الطبيعي واستمرار
اختراق هذا الوقود قطاع النقل.
في هذا السيناريو، من المتوقع أن يزيد استهلاك الطاقة في العالم
من
12271
مليون طن نفط (مكافئ) في
2008
إلى
16765
مليونا في
2035
والطلب على الغاز الطبيعي من
2569
مليون طن نفط مكافئ إلى
4244
مليونا في نفس الفترة. ولذلك يتوقع أن تزيد حصة استهلاك الغاز في
مزيج الطاقة من
21% في
2008 إلى
25% في
2035
وسوف يكون هذا الكسب من حصتي النفط والفحم.
ولكن هذا السيناريو لا يأخذ في الحقيقة التغييرات الأخيرة في نهج
استخدام الطاقة النووية في أعقاب كارثة فوكوشيما. فإن القدرة
النووية الجديدة المقدرة
330
غيغا واط التي من المتوقع أن تضاف حتى
2035
في تقدير وكالة الطاقة الدولية، من غير المحتمل أن تتحقق.
فقد قال فاتح بيرول كبير الاقتصاديين في الوكالة مؤخرا أن
180
غيغا واط فقط يمكن إضافتها نتيجة لقيام العديد من البلدان بتقليص
خططهم أو التخلي عنها تماما. إذا كان الأمر كذلك فإن الطلب على
الغاز قد يكون أكبر
200
مليون طن نفط مكافئ أخرى بحلول
2035
التوسع في استهلاك الغاز
وفي الوقت نفسه فإن التوسع في استهلاك الغاز في قطاع النقل لا يزال
بطيئا على الرغم من إمكانياته ومزاياه الواضحة بالمقارنة
بالغازولين والديزل. هناك فقط
12
مليون سيارة في جميع أنحاء العالم تستهلك
20
بليون متر مكعب (ب م م) في السنة أو أقل من واحد بالمائة من مجموع
وقود النقل من حيث الطاقة.
والوكالة تشير إلى أن عدد المركبات يمكن أن يزيد عن سبعين مليونا
نظراً لفارق السعر مع الغازولين والديزل وأهمية المزايا البيئية
وتحسين الكفاءة وانخفاض تكلفة التشغيل من حيث الصيانة وحياة أطول
للمركبات. ولكن لكي يحدث هذا، لابد من الدعم الحكومي على الأقل في
المراحل الأولى.
والوكالة
تشير إلى أن عدد المركبات يمكن أن يزيد عن سبعين مليونا نظراً
لفارق السعر مع الغازولين والديزل وأهمية المزايا البيئية وتحسين
الكفاءة وانخفاض تكلفة التشغيل من حيث الصيانة وحياة أطول
للمركبات. ولكن لكي يحدث هذا، لابد من الدعم الحكومي على الأقل في
المراحل الأولى.
إن تطور الطلب الإقليمي في هذا السيناريو مثير للاهتمام. فبينما
من المحتمل أن ينمو بنسبة
0.9%
سنوياً في الدول الصناعية بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن
من المحتمل أن ينمو بنسبة
2.6%
سنوياً في الدول غير الأعضاء في المنظمة.
فالطلب في الصين والهند من المحتمل أن يكون الأسرع نموا في العالم
وبمعدلات
%7.7 و6.5%
على التوالي. أما الشرق الأوسط فقد يرى نموا بمعدل
2.4%
ولكن الوكالة تشير إلى أن
60%
من النمو قد يكون كمادة مغذية لتحويل الغاز إلى سوائل.
قد يحدث ذلك نظراً لوجود طلب كبير للغاز في توليد الكهرباء، ورغبة
العديد من البلدان الامتناع عن استخدام الوقود السائل. وسيكون
النمو في الطلب مدفوعا بالنمو الاقتصادي وارتفاع دخل الأسر ومزيد
من التنمية الصناعية بالإضافة إلى النمو في توليد الكهرباء والذي
من المرجح أن يكون أكبر العوامل.
وللعوامل البيئية أيضاً أهمية بالنسبة للبلدان ذات السياسات
الرامية إلى الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتلوث
المحلي.
زيادة
في
إمدادات
الدول
الصناعية
وعلى جانب العرض يرجح أن الإمدادات من الدول الصناعية قد تحقق
زيادة بنسبة
0.7%،
أو من
1157
م م م في
2008
إلى
1404
م م م في
2035
مع حدوث انخفاض في إنتاج أوروبا الغربية.
ومن المتوقع نمو إمدادات الدول غير الأعضاء بالمنظمة بحوالي
2.3%
في السنة أو من
2010
م م م في
2008
إلى
3728
م م م في
2035.
إمدادات الشرق الأوسط من المرجح أن تنمو من
393
م م م في
2008
إلى
917
م م م في
2035.
وهذا ليس غريبا نظرا للإمكانيات الكبيرة من النفط والغاز القائمة
والمحتملة في كثير من بلدان المنطقة. وباستثناء أوروبا الغربية، من
المتوقع أن ينمو إنتاج جميع البلدان والمناطق الأخرى المنتجة.
ومن المتوقع أن تساهم إمدادات الغاز التقليدية بزيادة مقدارها
1100
م م م في
2035،
فإن الموارد غير التقليدية يمكن أن تساهم بزيادة مقدارها
800
م م م .
هذه الموارد غير التقليدية تقع خارج مجال الغاز المصاحب لإنتاج
النفط الخام والغاز الحر من حقول الغاز التقليدية تماما.
ويعتبر غاز الميثان في عمق مناجم الفحم كما أن الغاز المتوفر في
مكامن قليلة المسامية يعتبر من الموارد غير التقليدية، وعادة ما
تكون أكثر تكلفة وأكثر صعوبة في الإنتاج. ومع ذلك فإن دولا مثل
الولايات المتحدة، الصين، كندا، روسيا أستراليا مرشحة لزيادة كبيرة
في إنتاج الغاز غير التقليدي. ولذلك، فإن حصة الغاز غير التقليدي
قد تنمو من
12%
في
2008
إلى
24% في
2035.
وعلى كل حال فإن احتياطات الغاز الحالية كافية لمدة
120
عاماً في مستوى الاستهلاك الحالي. أما جميع الاحتياطات القابلة
للإنتاج فقد تزيد هذا إلى
250
سنة. وقد دأبت احتياطيات الغاز على الزيادة منذ عام
1975
بنسبة أعلى من سرعة الاستهلاك، وهناك متسع للمزيد بسبب التقدم
التكنولوجي وإمكانية تطبيقاته على نطاق واسع.
ومن المرجح أن تبقى المناطق المصدرة الرئيسية للغاز الطبيعي
محافظة على مواقعها كما في روسيا وبلدان بحر قزوين والشرق الأوسط
وأفريقيا في إمداد الأسواق المتسعة في أوروبا والصين والهند وآسيا
المحيط الهادي وحتى الولايات المتحدة بدرجة أقل.
هذا الاتجاه سوف يعزز من احتمال تكون سوق عالمية للغاز خاصة وأن
هناك اتجاها متزايداً في المبيعات الفورية للغاز الطبيعي المسال.
وقد بلغت سعة معامل التسييل في
2008
ما يقرب من
270
م م م في السنة ومن المتوقع أن تصل إلى
450
م م م بحلول
2015
و540
م
م م في
2020
وربما أعلى في وقت لاحق. وهذا التوسع سيضيف المرونة في تجارة الغاز
بين المناطق.
ولكن خطوط أنابيب الغاز بين الأقاليم ستساهم أيضا في زيادة
التجارة. وتقدر سعة المشاريع المخطط لها في هذا المجال وبحلول
2015
بصورة إجمالية
300
م م م. فمن روسيا، هناك خطا الشمال والجنوب إلى أوروبا وآخر إلى
الصين وكوريا. ومن منطقة بحر قزوين والشرق الأوسط هناك العديد من
المشاريع إلى تركيا وما بعدها وخطوط أخرى من منطقة بحر قزوين إلى
الصين وباكستان ومن أفريقيا الشمالية إلى إسبانيا وما بعدها.
إن الاستثمار المطلوب لتغطية انخفاض إنتاج حقول الغاز الحالية
وزيادة الإنتاج في مجالي الغاز التقليدي وغير التقليدي من المتوقع
أن يكون كبيرا. فالاستثمار في تطوير البنية الأساسية قد يصل إلى
ثمانية تريليونات دولار. حوالي
65%
منها مطلوبة في المرافق الإستخراجية لإيجاد وتطوير موارد الغاز
الجديدة والتقليل من الانخفاض في الحقول الحالية. وبقية الاستثمار
سيكون في نقل الغاز والتوزيع ومرافق الغاز الطبيعي المسال.
تكاليف
الغاز
بالشرق
الأوسط
وفي الشرق الأوسط، فإن تكاليف الإنتاج منخفضة نسبيا إذ يرتبط الغاز
المصاحب بإنتاج النفط ولكن تكلفة الإنتاج من حقول الغاز الحر من
المرجح أن تكون أعلى. وهناك حاجة في المنطقة لمراجعة أسعار الغاز
المنخفضة بشكل مصطنع نتيجة الدعم الذي كان يقدم في السابق لتشجيع
الاستثمار.
إن التوسع الكبير من المحتمل أن يأتي من العراق ومن قطر عند رفع
الحظر على التطوير الإضافي لحقل الشمال في المستقبل. أما إنتاج
المملكة العربية السعودية فمن المحتمل أن يزيد ولكن احتياجاتها
أكثر بكثير.
إن تسعير الغاز من المحتمل أن يكون موضوعا للمناقشة الكثيفة في
السنوات القادمة. فالعقود الطويلة الأجل يرتبط سعر الغاز فيها
بأسعار النفط أو زيت الوقود أو كليهما.
ولكن هناك في أميركا الشمالية حيث موارد الغاز أعلى بكثير من الطلب
فهناك انفصال عن أسعار النفط. بيد أن التسعير في بقية أنحاء العالم
من المحتمل أن يستمر على صلاته الحالية كما يريد المنتجون ولو أن
قدرا من المرونة قد يدخل المعادلة.
وليس من المرجح إزالة الصلة بأسعار النفط إلا إذا تطورت سوقاً
دولية حقيقية يتم فيها تداول كميات كبيرة من الغاز تباع وتشترى في
السوق الفورية.
وباستثناء “خط أنابيب الغاز العربي” بين مصر والأردن وسوريا وخط
أنابيب دولفين بين قطر والإمارات العربية المتحدة، فإن هناك حاجة
إلى إلقاء نظرة جديدة على هذا الوضع وتشجيع إنشاء خطوط أنابيب
جديدة عابرة للحدود.
إن معظم البلدان العربية المشرقية بحاجة إلى الغاز بما في ذلك بعض
الدول المنتجة للنفط مثل المملكة العربية السعودية والكويت
والبحرين والإمارات العربية المتحدة. لذا فعلى الدول المنتجة قبل
البحث عن أسواق بعيدة السعي إلى تزويد السوق الإقليمية بكفاءة
وخطوط الأنابيب هي الخيار الأفضل.
وكالعادة في مثل السيناريو المطروح أعلاه فإن توقعات وكالة الطاقة
الدولية من الممكن أن تتأثر صعودا أو نزولا تبعاً لتطور
الافتراضات.
ولكن احتمال ارتفاع الطلب على الغاز أكثر من احتمالات انخفاضه خاصة
إذا كانت معدلات النمو اﻻقتصادي جيدة وقابلة للتحسن، وإذا ظلت
أسعار الغاز تنافسية وإذا قامت الحكومات بالتوسع في استخدام المزيد
من الغاز في النقل.
كما أن السياسات البيئية في مختلف دول العالم من المحتمل أن تزيد
الطلب على الغاز خاصة في ظل الانخفاض المتوقع في استخدام الطاقة
النووية مستقبلا.
وحتى تحسن كفاءة الاستهلاك في بعض المناطق من غير المرجح أن يأخذ
البريق من مستقبل الغاز الطبيعي.
المدير السابق لقسم دراسات الطاقة بالأمانة العامة لأوبك في فيينا
الجزيرة
|