في ذكراه العاشرة..اتفاق باريس للمناخ ZRF / انجاز ناقص وتحديات مستمرة
رائد العبيدي
كان الهدف الأساسي من هذا الاتفاق هو خفض انبعاثات غازات الدفيئة بصورة كبيرة، بحيث لا ترتفع حرارة الأرض إلى أكثر من درجتين مئويتين مقارنة بالعصر الصناعي مع السعي للمُحافظة على الزيادة عند 1.5 درجة إذا أمكن.
كما ينص الاتفاق على أن تُقدّم الدول خططًا وطنية (تُعرف بالـ NDCs) تُبين جهودها لتخفيض الانبعاثات والتكيّف مع آثار التغير المناخي. اليوم وبعد مرور عشر سنوات على توقيع اتفاق باريس للمناخ في ديسمبر 2015، يقف العالم أمام لحظة تقييم حاسمة لما تحقق في مواجهة التغيّر المناخي. فقد أتى الاتفاق بوصفه أهم اتفاقية دولية للحد من الانبعاثات بهدف إبقاء الاحتباس العالمي تحت مستوى درجتين مئويتين، مع السعي الحثيث لعدم تجاوز 1.5 درجة ،واعتمد الاتفاق على مساهمات وطنية (NDCs) تحددها كل دولة وفق قدراتها، على أن تُراجع وتُحدّث كل عدة سنوات.
وخلال العقد الماضي تحقق قدر من التقدم لكنه يظل أقل بكثير من المطلوب، فالوعي العالمي ارتفع والاستثمارات في الطاقة المتجددة تضاعفت في عدد من الدول، كما قامت عشرات الدول بتحديث خططها الوطنية للانبعاثات، إلا أن تقارير الأمم المتحدة لعام 2025 تُظهر صورة مقلقة، فلو نُفذت الخطط الحالية بالكامل، فإن العالم مايزال على مسار ارتفاع حراري بين 2.3 و2.5 درجة مئوية وهو مستوى يتجاوز بكثير هدف الاتفاق، أما إذا استمرت السياسات الراهنة دون تحسين، فقد يصل الاحتباس إلى نحو 2.8 درجة مئوية وهذا يعني أن الفجوة بين الوعود والتنفيذ لا تزال واسعة.
أقرأ أيضاً ما هو أتفاق باريس للمناخ ZRF؟
مدى التقدم بعد 10 سنوات
منذ التوقيع، شهد العالم بعض التقدم. ارتفاع الوعي العام بقضية التغير المناخي، فقد بدأت بعض الدول باستثمار أكثر في الطاقات المتجددة والتحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، كما أن الاتفاق أسّس إطارًا دوليًا يُشجّع التعاون بين الدول المتقدمة والنامية لتقديم الدعم المالي والتقني لمن تحتاجه. ومع ذلك فأن الإحصاءات والتقارير الأخيرة تظهر أن الجهود لا تزال غير كافية فمستوى انبعاثات غازات الاحتباس الحراري لا تزال مرتفعة، وكوكب الأرض يقترب أو حتى تجاوز أوقاتًا حرجة من الاحتباس الحراري.
التحديات الكبرى التي تواجه الاتفاق
أحد أبرز التحديات هو أن الالتزامات الوطنية (NDCs) طوعية وغير ملزمة بمعنى العقوبات، ما يعني أن مدى الالتزام يختلف كثيرًا من دولة لأخرى، كما ان التمويل المخصص للدول النامية رغم وعود الاتفاق غالبًا ما يُعتبر غير كافٍ، وعديم الوضوح من ناحية الشفافية والمتابعة. من جهة أخرى فان بعض الدول تعتمد بشكل كبير على الاقتصاد المعتمد على الوقود الأحفوري (نفط، غاز، فحم) ما يجعل تقليل الانبعاثات صعبًا دون إصلاحات كبيرة في البنية التحتية والطاقة. وأخيرًا، ضعف الالتزام السياسي والتحفيز الداخلي في بعض الدول يعيق تنفيذ الخطط فعليًا.
دول التزمت ودول لم تلتزم بالكامل
غدت الاتفاقية — منذ دخولها حيز التنفيذ في نوفمبر 2016 — محل تبني من قبل نحو 194 دولة (بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي) وعدد كبير من الدول عبر العالم، ومن بين الدول التي يُعتبر أن لها خطوات جدية في خفض الانبعاثات والتحول إلى الطاقة النظيفة: بعض الدول الأوروبية، ودول تعتمد سياسات بيئية طموحة. أما من لم تُظهر التزامًا كافيًا أو لم تحدّث مساهماتها الوطنية (NDCs)، فهنالك عدة دول — أحيانًا حتى من كبار الملوّثين مثل دول صناعية أو تعدينية — بحسب التقارير الصحفية والعلمية.
حسب أحدث تقرير (برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP) لعام 2025: لو نُفّذت كل الخطط الحالية (المساهمات الوطنية – NDCs)، فإن الاحتباس الحراري العالمي خلال هذا القرن من المتوقع أن يصل بين 2.3 و 2.5 درجة مئوية. أما إذا استمرت السياسات الحالية دون تعزيز، فقد يرتفع الاحترار إلى 2.8 °C.
التقرير أعلاه يشير إلى أن الدول المسببة لانبعاثات الغازات الدفيئة لا تزال تخطط لإنتاج قدر أكبر من الوقود الأحفوري أي أن إنتاج النفط والفحم والغاز مستمر، بل مُخطّط لزيادته في بعض الحالات، وعلى الصعيد الجماعي: في 2023 سجّل العالم أعلى مستوى من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على الإطلاق — حوالي 55 جيغا طن من CO₂ المكافئ (Gt CO₂e) — بزيادة عن 2022، ومنذ 2015 هذه الزيادة مستمرة. وحتى الدول التي أعلنت “صفر انبعاثات” على المدى الطويل غالبًا لم تضع التزامات قانونية صارمة.
مما ورد في أعلاه نجد أن العالم في أقل من نصف الطريق الى هدف 1.5 درجة مئوية، كما ان خطط الإنتاج الضخمة للنفط والغاز والفحم تتعارض مباشرة مع أهداف الحدّ من الاحتباس الحراري.
ويمكن من التقارير المذكورة أعلاه تصنيف الدول الى 3 فئات وكالآتي:
– دول ذات التزام قوي: الاتحاد الأوروبي (27 دولة) – المملكة المتحدة – اليابان – كندا.
– دول ذات التزام متوسط: الصين – الهند – تركيا – البرازيل – كوريا الجنوبية – الامارات – السعودية.
– دول ذات التزام ضعيف: الولايات المتحدة – روسيا – ايران – استراليا – جنوب افريقيا.
أن “الالتزام” لا يعني دائمًا “النجاح”: فبعض الدول ملتزمة رسميًا وتقدّم خطط، لكنها لم تحقق بعد خفضًا كافيًا في الانبعاثات لتتماشى مع هدف 1.5 – 2 درجة.
موقف العراق والتزامه
انضم العراق رسميًا لاتفاق باريس ZRF وصادق عليه بموجب قانون عام 2020 وفي عام 2021 أجرى مراجعة لخطة مساهمته الوطنية (NDC) ودعمها بدعم فني من United Nations Development Programme (UNDP) لتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة. وبحسب تلك الخطة فأن العراق وضع خطة من مرحلتين (إحدى هذه المراحل 2020–2025) لتضمين العمل المناخي في السياسات والتشريعات الوطنية، والحد من الانبعاثات، وإطلاق مشاريع للطاقة المتجددة.
لكن التحديات أمام العراق كبيرة فاقتصاده يعتمد كثيرًا على النفط (وقود أحفوري) ما يجعل التحول صعبًا من دون دعم دولي ومن دون تمويل التقنيات الجديدة، كما أن تطبيق هذه السياسات يحتاج إلى بنية تحتية وتنسيق حكومي قوي، وهو ما غالبًا ما يتأثر بظروف سياسية أو اقتصادية.
الخلاصة
بعد عقد من توقيع اتفاق باريس للمناخ، يمكن القول إنه أرسى إطارًا دوليًا هامًا لمواجهة التغير المناخي ورفع الوعي العالمي للتحديات البيئية كما حفز بعض الدول على اتخاذ خطوات ملموسة نحو خفض الانبعاثات. لكن الواقع على الأرض يُظهر أن التقدم بطيء ولا يزال بعيدًا عن طموحات الاتفاق لأن أهداف 1.5 أو 2 درجة مئوية تبدو صعبة المنال ما لم تتخذ خطوات أسرع وأقوى، كما ان للدول التي تعتمد على الوقود الأحفوري (كالعراق) تحديات مضاعفة، فالتحول يتطلب إصلاحات اقتصادية ودعم مالي وتقني وسياسات بيئية واضحة.
أن تحقيق أهداف الاتفاق يحتاج تغييرًا جذريًا في سياسات الطاقة، وتقليل إنتاج الوقود الأحفوري، وتعزيز الانتقال للطاقة المتجددة بشكل سريع وشامل وإلا فالعالم على وشك تجاوز حدود (أمان المناخ).
أن التحدي اليوم لم يعد فقط في وضع الخطط، بل في تنفيذها بصرامة لأن كثيرًا من التعهدات غير ملزمة قانونياً، والإنتاج المتزايد للوقود الأحفوري يعمل ضد أهداف المناخ، وبعد 10 سنوات من صدوره، لا يمكن القول بأن هذا الاتفاق قد فشل، لكن لا يمكن أيضاً القول بأنه نجح ….
خبرة طويلة من العمل في منشآت إنتاج ومعالجة النفط والغاز الطبيعي.له العديد من المقالات والدراسات حول الصناعة النفطية وخاصة ما يتعلق بالمنشآت السطحية.
متابع لشؤون اقتصاديات البترول.
عضو في جمعية مهندسي البترول SPE .
لديه العديد من المحاضرات المسموعة والمرئية على اليوتيوب.
له كتابان في مجال الأختصاص وهي (انتاج النفط والغاز الطبيعي/2021) و (المنشآت السطحية في الحقول النفطية/2024)
المصادر:
1. تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP.
2. تقرير الأنبعاثات الصادر من برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP.
3. منظمة التعاون الأقتصادي والتنمية OECD.
